فخري البزاز

في ٦ من شباط ٢٠٠٨ فارقنا العالم العراقي الكبير والمتميّز على الصعيد العالمي، الأستاذ الدكتور فخري البزاز (١٩٣٣-٢٠٠٨) عن عمر ناهز ٧٥ سنة، بعد مرض عضال أقعده الفراش لفترة طويلة وهو ما يزال في قمة عطاءه العلمي، وبذلك فقد العالم والعراق أستاذا جامعيا وعالما فذا وهب حياته من اجل علمه وبحوثه، وتلامذته، فكانت حياته درسا كبيرا تعلمنا منه الإصرار على تحمل أعباء البحث والتنقيب والمثل العلمية، وتجسيدها بالإنتاج الغزير في المستوى العلمي العالمي، وكان خير مثال لكفاءة العراقيين وخير سفير لهم في الخارج.
ولد هذا العالم الجليل في السادس عشر من أيار ١٩٣٣ في بغداد لعائلة عريقة أنجبت رجال تميزوا في الحياة العراقية السياسية والاجتماعية منهم أخيه الدكتور عبد الرحمن البزاز، رئيس وزراء العراق السابق. حصل البزاز على شهادة البكالوريوس من دار المعلمين العالية عام ١٩٥٣ ودخل سلك الدولة الوظيفي كمعاون مدير تربية الرصافة. وبرز توجهه العلمي منذ تلك الفترة حيث توجه للبحث العلمي مع الدكتور عبد الكريم الخضيري الذي اصبح من علماء العالم المتميزين.
في ٢٥ آب عام ١٩٥٨ تزوج من السيدة مأرب درويش بكري وسافر في نفس يوم زواجه مع زوجته الى الولايات المتحدة ليبدأوا حياتهم الدراسية في جامعة إلينوي. حصل الفقيد على شهادة الدكتوراه عام ١٩٦٣ في موضوع البيئة النباتية وأصبح أستاذاً مساعداً ومن نفس الجامعة حصلت زوجته على شهادة الدكتوراه في علوم فسلجة النبات عام ١٩٧٢. ترك جامعة إلينوي في السنة اللاحقة ليعود الى وطنه العراق ويلتحق بجامعة بغداد كمدرس في كلية العلوم وهناك تعرفت على شخصيته الرائعة عام ١٩٦٥ حيث درَّسني علم النبات في السنة الأولى، وكان بحق من افضل من قام بتدريسي في حياتي الجامعية واكثر من ترك تأئيراً جيدا على مسيرتي العلمية.
لم يستمر الراحل طويلا في جامعة بغداد فقد تركها ليرحل مرة أخرى إلى الولايات المتحدة عام ١٩٦٦ وليعود إلى جامعة الينوى كأستاذ مساعد في قسم بيولوجيا النبات. تمت ترقيته إلى مرتبة أستاذ في عام ١٩٧٨ وليتبوأ بعد ترقيته منصب رئاسة القسم في الفترة ١٩٨٠ إلى ١٩٨٤، وبعدها كرئيس لمدرسة علوم الحياة في الجامعة. وخلال فترة وجوده في الينوي اشرف على دراسات عدد من الطلبة العراقيين منهم المرحوم أ.د. حسين ابو الفتح، الأستاذ السابق في جامعات الخليج العربي ومن القسم ذاته تخرج ايضا الدكتور خضر حلو الاستاذ في فرجينيا بوليتكنيك. وكان الفقيد لهم صديق واب ومشرف يمدهم بكل ما يحتاجونه من دعم معنوي ويذكرهم بمهمتهم في التفوق العلمي والتميز وبأن مهمته هي حل معضلات العلم واكتشاف المعرفة.
في عام ١٩٨٤ عرضت جامعة هارفرد كرسي الأستاذية في علم البيولوجي، فانتقل الى بوسطن ومعه زوجته مأرب وابنته سحر وولده عمار، ليبدؤوا رحلة علمية جديدة يتبوأ فيها الصدارة العلمية في العالم في علم البيئة وليحوز على الجوائز العلمية التقديرية سواء على صعيد جامعة هارفرد او على صعيد الولايات المتحدة والعالم اجمع.
عند انتقاله أصدرت جامعة هارفرد بيانا صحفيا في ٢ مارس ١٩٨٤ جاء فيه:
(اقنعت جامعة هارفارد رائد علم البيئة النباتية لترك منصبه في جامعة الينوي وقبول منصب دائم في قسم تطور الكائنات والبيولوجيا التطوريه. ان تعيين فخري البزاز هو جزء من سلسلة من التعيينات التي تهدف الى تعزيز البحوث التجريبية لعلم النبات في الجامعة ضمن سياسة جذب افضل العلماء. نشرت للبزاز عدة بحوث عن البيئة النباتية كما نشر له مؤخرا كتابا حول الموضوع. وهو يحظى باعتراف واسع النطاق لدراسته حول “رطوبة المناطق الاستوائية” ودراساته عن أهمية تأثير البيئة النباتية على السكان والمجتمع والبيئة. كما ساهم في العديد من الكتب التي أُنجِزت مؤخرا على النظم البيئية. البزاز شخصية محترمة ومحبوبة حيث يمكنك ان تدخل مكتبه في اي وقت، ويأتي الطلاب من جميع أنحاء العالم للدراسة معه.)
في الفترة من ١٩٨٨ الى ١٩٩٧ حاز على لقب
H.H.Timken Professor of Science
ومن عام ١٩٩٧ الى ٢٠٠٥ اصبح يحمل لقب
Mallinckrodt Professor of Biology وهي كراسي مرموقة في جامعة هارفرد التي تعد من أرقى جامعات العالم.
استمر البزاز في عطائه العلمي منذ دراسته الأولى في جامعة بغداد إلى أن أقعده المرض عام ٢٠٠٥ ، وكنتيجة لنتاجه العلمي المرموق من بحوث علمية أصيلة وكتب متميزة ومساهمات فعالة في دراسة المشاكل البيئية وتوفير الحلول الصائبة لها، انهالت عليه الدعوات للمشاركة في المؤتمرات العالمية والسمينارات في جامعات العالم ومنها الجامعات العربية. وكرمته المؤسسات العلمية الأمريكية والعالمية بعدد من الجوائز والشهادات ومنها:

Clare Hall,Cambridge University Fellow; Life Member (١٩٨١)
American Association for the Advancement of Science Fellow (١٩٨٧)
John Simon Guffenheim Fellow (١٩٨٨)
American Academy of Arts and Sciences Fellow (١٩٨٩)
Japan Society for the Promotion of Science Fellow (١٩٩٣)
Humboldt Research Prize, Germany (١٩٩٦)
Candidate for King Faisal Prize in Biology (٢٠٠٠)
Leverhulme Professorship in British Universities (٢٠٠٠) (Bangor, Sheffield, Edinburgh, Cambridge, Oxford and Imperial College)

في عام ١٩٩٩ زار الراحل برفقة زوجته مأرب لندن فكانت فرصة لتكريمه من قبل رابطة الأكاديميين العراقيين حيث تم منحه العضوية الفخرية، هو والدكتور محمد مكية في حفل رائع حضره عدد كبير من الشخصيات الأكاديمية العراقية. وخلال تواجده في لندن ألقى الراحل محاضرة علمية مشوقة حول البيئة وبالخصوص بيئة الشرق الأوسط وكانت فرصة جميلة للجالية العراقية للقاء هذا العالم الجليل.
هذا العالم الجليل الذي طواه الموت تاركا وراءه دموعا وأحزانا لجميع الذين عرفوه وصادقوه. لقد كان العالم البزاز عراقيا مخلصا احب وطنه وكان فخرا للعراق وللعراقيين، إذ كان بحق رمزا للعالِم والباحِث والأستاذ الجامعي المتفاني.
وهكذا غاب عنا هذا العالم والتربوي القدير، واليوم لم يبق لنا إلا كتبه وبحوثه الأصيلة وثروته العلمية الهائلة، وذكراه الطيبة. ونقول وداعا أيها الأستاذ البارع والصديق الحميم والعالم الجليل، ستبقى ذكراك خالدة مملوءة بالحب عند زوجتك وعائلتك وأصدقائك وطلابك ورفاق مسيرتك العلمية في العالم والعراق، وسيبقى إنتاجك العلمي ثروة خالدة للعالم وعلمائه.